ابن أبي الحديد

184

شرح نهج البلاغة

أصلح الله الأمير ! إن بي فتقا ، وقد عذرني بشر بن مروان ، وقد رددت العطاء ، فقال : إنك عندي لصادق ، ثم أمر به فضربت عنقه ، ففي ذلك يقول كعب الأشقري - أو الفرزدق ( 1 ) : لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة * تقرقر منها بطن كل عريف ( 2 ) * * * ويروى عن أبي البئر ( 3 ) ، قال : إنا لنتغدى معه يوما ، إذ جاءه رجل من بنى سليم ( 4 ) برجل يقوده ، فقال : أصلح الله الأمير ! إن هذا عاص ، فقال له الرجل : أنشدك الله أيها الأمير في دمى ! فوالله ما قبضت ديوانا قط ، ولا شهدت عسكرا قط ، وإني لحائك ، أخذت من تحت الحف ( 5 ) فقال : اضربوا عنقه . فلما أحس بالسيف سجد ، فلحقه السيف وهو ساجد ، فأمسكنا عن الاكل ، فأقبل علينا ، وقال : ما لي أراكم قد صفرت أيديكم ، واصفرت وجوهكم ، وحد نظركم من قتل رجل واحد ! ألا إن العاصي يجمع خلالا ، يخل بمركزه ، ويعصى أميره ، ويغر المسلمين ، وهو أجير لهم ، وإنما يأخذ الأجرة لما يعمل ، والوالي مخير فيه ، إن شاء قتل ، وإن شاء عفا . ثم كتب إلى المهلب : أما بعد ، فإن بشرا استكره نفسه ( 6 ) عليك ، وأراك غناه ( 7 ) عنك ، وأنا أريك حاجتي إليك ، فأرني الجد في قتال عدوك ، ومن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله ،

--> ( 1 ) انظر ديوان الفرزدق 2 : 570 . ( 2 ) تقرقر : صوت ، والعريف : النقيب دون الرئيس . ( 3 ) كذا في ب ، وفي ا ، ج : ( عن أبي النسر ) ، وفي الكامل : ( ابن أبي ميرة ) . ( 4 ) كذا في ب والكامل ، وفي ا ، ج : ( من بنى تميم ) . ( 5 ) الحف : القصبة التي تجئ وتذهب . ( 6 ) استكره نفسه : أدارها على الكره منها . ( 7 ) أي أراك أنه في غنى عنك .